صديق الحسيني القنوجي البخاري
618
فتح البيان في مقاصد القرآن
العلماء ولكن لم نشأ ذلك لانسلاخه عنها وتركه للعمل بها ، وقيل : المعنى ولو شئنا لأمتناه قبل أن يعصي فرفعناه إلى الجنة بها أي بالعمل بها قاله ابن عباس وقال مجاهد وعطاء : لرفعنا عنه الكفر وعصمناه بالآيات . وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ أصل الإخلاد اللزوم يقال أخلد فلان بالمكان إذا أقام به ولزمه ، والمعنى هنا أنه مال وسكن إلى الدنيا ورغب فيها ورضي بها واطمأن وآثرها على الآخرة إِلَى الْأَرْضِ هي هنا عبارة عن الدنيا لأن بها المفاوز والقفار والمدن والضياع والمعادن والنبات ، ومنها يستخرج ما يعاش به في الدنيا فالدنيا كلها هي الأرض . وَاتَّبَعَ هَواهُ أي ما يهواه وترك العمل بما يقتضيه العلم الذي علمه اللّه وهو حطام الدنيا وقيل كان هواه مع الكفار وقيل : اتبع رضاء زوجته وكانت هي التي حملته على الانسلاخ من آيات اللّه ، وهذه الآية من أشد الآيات على العلماء الذين يريدون بعلمهم الدنيا وشهوات النفس ويتبعون الهوى . فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ أي وصار لما انسلخ عن الآيات ولم يعمل بها منحطا إلى أسفل رتبة مشابها لأخس الحيوانات في الدناءة مماثلا له في أقبح أوصافه إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ أي في كلتا حالتي قصد الانسان له وتركه هو لاهث سواء زجر أو ترك ، طرد أو لم يطرد ، شد عليه أو لم يشد ، وليس بعد هذا في الخسة والدناءة شيء . والمعنى مثله كمثل الكلب حال كونه متصفا بهذ الصفة أي : إن هذا المنسلخ عن الآيات لا يرعوي عن المعصية في جميع أحواله سواء وعظه الواعظ وذكره المذكر وزجره الزاجر أو لم يقع شيء من ذلك ، قال القتيبي : كل شيء يلهث فأنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة وحال المرض وحال الصحة وحال الري وحال العطش فضربه اللّه مثلا لمن كذب بآياته فقال إن وعظته ضل وإن تركته ضل فهو كالكلب إن تركته لهث وإن طردته لهث كقوله تعالى : وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ [ الأعراف : 193 ] . واللهث : إخراج اللسان لتعب أو عطش أو غير ذلك قاله الجوهري قيل معنى الآية إنك إذا حملت على الكلب نبح وولى هاربا وإن تركته شد عليك ونبح فيتعب نفسه مقبلا عليك ومدبرا عنك فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان ، يقال لهث الكلب يلهث إذا أدلع لسانه . ذلِكَ أي التمثيل بتلك الحالة الخسيسة مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا من اليهود بعد أن علموا بها وعرفوها فحرفوا وبدلوا وكتموا صفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وكذبوا بها ، وقيل عم هذا المثل جميع من كذب بآيات اللّه وجحدها وهو